الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

324

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ففي قوله : سَبَّحَ تعريض بالمشركين الذين أهملوا أهم التسبيح وهو تسبيحه عن الشريك والند . واللام في قوله : لِلَّهِ لام التبيين . وفائدتها زيادة بيان ارتباط المعمول بعامله لأن فعل التسبيح متعدّ بنفسه لا يحتاج إلى التعدية بحرف ، قال تعالى : فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ [ الإنسان : 26 ] ، فاللام هنا نظيره اللام في قولهم : شكرت لك ، ونصحت لك ، وقوله تعالى : وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] ، وقولهم سقيا لك ورعيا لك ، وأصله : سقيك ورعيك . و ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعم الموجودات كلها فإن ما اسم موصول يعمّ العقلاء وغيرهم ، أو هو خاص بغير العقلاء فجرى هنا على التغليب ، وكلها دال على تنزيه اللّه تعالى عن الشريك فمنها دلالة بالقول كتسبيح الأنبياء والمؤمنين ، ومنها دلالة بالفعل كتسبيح الملائكة ، ومنها دلالة بشهادة الحال كما تنبئ به أحوال الموجودات من الافتقار إلى الصانع المنفرد بالتدبير ، فإن جعل عموم ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مخصوصا بمن يتأتى منهم النطق بالتسبيح وهم العقلاء كان إطلاق التسبيح على تسبيحهم حقيقة . وإن حمل العموم على ظاهره لزم تأويل فعل سَبَّحَ بما يشمل الحقيقة والمجاز فيكون مستعملا في حقيقته ومجازه . والعزيز : الذي لا يغلب ، وهذا الوصف ينفي وجود الشريك في الإلهية . و الْحَكِيمُ الموصوف بالحكمة ، وهي وضع الأفعال حيث يليق بها ، وهي أيضا العلم الذي لا يخطئ ولا يتخلف ولا يحول دون تعلقه بالمعلومات حائل ، وتقدما في سورة البقرة . وهذا الوصف يثبت أن أفعاله تعالى جارية على تهيئة المخلوقات لما به إصابة ما خلقت لأجله ، فلذلك عززها اللّه بإرشاده بواسطة الشرائع . [ 2 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 2 ] لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 2 ) استئناف ابتدائي بذكر صفة عظيمة من صفات اللّه التي متعلقها أحوال الكائنات في السماوات والأرض وخاصة أهل الإدراك منهم . ومضمون هذه الجملة يؤذن بتعليل تسبيح اللّه تعالى لأن من له ملك العوالم العليا والعالم الدنيوي حقيق بأن يعرف الناس صفات كماله . وأفاد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد